Translate

السبت، 11 أكتوبر 2014

نهاية عصر الاكتشافات العلمية: هل نقترب من حدود نهاية المعرفة؟


 
 

The End of Discovery: Are We Approaching the Boundaries of the Knowable?


Published: September 23, 2010

 
 

 

في عام 1980، وبعد توليه منصب استاذ كرسي لوكاس للرياضيات (Lucasian professor of mathematics) في جامعة كامبرج، طرح ستيفن هوكنج السؤال التالي: "هل نهاية الفيزياء النظرية تلوح في الأفق؟"

ومع ان هذا التساؤل في حقل الفيزياء النظرية ليس بالجديد  فقد حذر الفيزيائي الشهير لورد كالفن (Lord Kelvin) في اجتماع الجمعية البريطانية  سنة 1900 من ان "موت الفيزياء وشيك"، وهناك العديد  من الفيزيائيين المرموقين الاخرون   كانوا وما زالوا يخشون من هذه المسألة.

هناك الان العديد من المؤلفات من فيزيائيين وعلماء عن مستقبل الفيزياء، وهذا المؤلف للبروفيسور راسل ستانرد (Russell Stannard)، الرئيس السابق لدائرة الفيزياء في الجامعة المفتوحة في بريطانيا، هو اضافة على هذه الجهود.

مؤلف الكتاب استاذ مختص في فيزياء الطاقة العالية و له العديد من المؤلفات حول النسبية التي تستهدف الأطفال (تبسيط العلوم)، فهو مؤهل جدا ليكتب عن الوضع الراهن  وعن المستقبل الغامض للفيزياء النظرية.

هل نحن نقترب من حدود نهاية المعرفة؟  هاذا هو السؤال الذي يطرحه  راسل ستنارد، مبينا  انه في يوم من الايام ستنتهي مرحلة الاختراقات العلمية المهمة. يقول: " ربما تعودنا على فكرة ان العلم بطبيعته يتقدم ويتطور باستمرار، مع انه لم يكن دائما كذلك. والاهم من ذلك انه لن يستمر ليكون كذلك، انها ليست عملية لانهائية، فيوما ما سيصل السعي وراء المعرفة العلمية الى نهايته، ولا نقول التطبيقات العلمية..".

وهذه النهاية لن تكون عندما نكون قد عرفنا كل شيء عن الكون، ولكن عندما نكون قد اكتشفنا الاشياء المتوافرة لدينا لاكتشافها ضمن محدودية العقل البشري في الفهم والاستيعاب، بالإضافة الى اعتبارات عملية اخرى كالحاجة الى آلات وتكنولوجيا مكلفة ومعقدة لن يمكننا صنعها، حيث ستبقى قضايا معرفية كثيرة بعيدة المنال.

 

هناك لحظات كثيرة وقف فيها العلماء عاجزين على حدود المعرفة، كمعرفة من اين جاءت قوانين الطبيعة، وسبب الانفجار الكبير، ولماذا الكون قابل للحياة على هذا الشكل، وفيما اذا كان هناك اكوان غير كوننا هذا، ولماذا كان الوجود اساسا ولم يكن العدم...؟! هذا عدا عن امثلة اخرى لا تقل تعقيدا كالطاقة السوداء والمادة السوداء، وسلوك الجسيمات ما دون الذرية. ومع ان البحث ما زال مستمرا في كافة هذه القضايا الا انع لم يسجل أي اختراق فيها، ومع ان لا احد يعرف كيف سيكون المستقبل وما الذي يمكن ان يحدث في المجال العلمي، فتاريخيا كانت كثير من القضايا العلمية في عداد المستحيلات، كمعرفة بعد النجوم عنا مثلا، لكن مع الوقت تم اكتشافها، الا ان الاسئلة التي يتحدث عنها ستانرد تبدو اكثر استعصاء على العقل البشري، بل قد تكون خارج المتناول مهما حاول الانسان ملاحقتها..

وعلى الرغم من كل هذا، فالبرويسور ستنارد لا ينوي التقليل من شان الانجازات العلمية الحالية، بينما يتحدث عن محدودية امكانياتنا في مواجهة غموض اسرار الوجود، فهو يقدم مراجعة واضحة ومحكمة للاكتشافات العلمية الحاسمة، ولكنه يعتقد ان عقولنا تطورت للتعايش مع كوكب صغير، وليس من اجل حل مسائل معقدة ما وارء التجربة الانسانية. فعقول اسلافنا تطورت لتتعامل مع قضايا يومية يمكن معاينتها في عالمها المحسوس في الاماكن التي عاشوا وتواجدوا فيها ولم تتطور لتتعامل مع اشياء خارج التجربة البشرية، او شي مثل "الجاذبية الكوانتية/الكمية".

فعقولنا يمكن ان تكون هي الاعاقة الاكبر في عملية الفهم العلمي، وكما قال العالم البيولوجي هالدين (J.B.S. Haldane):

 " فالكون ليس فقط يمكن ان يكون اغرب مما نعتقد، ولكن يمكن ان يكون اغرب مما يمكننا اعتقاده"، فإذا كان القرد مثلا غير مؤهل ليفهم الرياضيات او يستوعب وجودها، افلا يمكن ان تكون هناك جوانب في الكون، او الرياضيات اللازمة لفهم هذه الجوانب في الكون، بعيدة المنال كما هو الحال بالنسبة للقرد ان يفهم الرياضيات؟! ربما ليس هناك جواب نهائي بعدن لكن مثلا فان الرياضيات اللازمة لفهم نظرية الخيوط اليوم تشكل تحديا لأكبر العقول العلمية في العالم.

يمكن ايجاز المعضلة المستمرة في عالم الفيزياء النظرية اليوم كالتالي: هناك لغز مستعصي كامن في النسبية العامة وميكانيكا الكم، الفكرتان الاكثر ثورية في القرن العشرين كله. وينبع هذا اللغز من ان النسبية نظرية كلاسيكية ولكنها افضل نظرية تصف الكون، بينما نظرية الكم تطبق على عالم ما دون الذرة. وكما يقول ستانرد، فكلتا النظريتين اجتازتا بنجاح كل الاختبارات كل في مجالها، ومع ذلك فهما ما زالتا تعارضان بعضهما البعض! (كان حلم اينشتاين هو ايجاد نظرية مشتركة يستطيع من خلالها وصف كل شيء في الكون "نظرية كل شيء". وبرغم من جهود البيرت اينشتاين وبول ديراك وارثر ادنغتون وستيفن هوكنج وتلاميذهم فما زال لا يوجد هناك نظرية مقبولة للجاذبية الكمية.

 

كتاب نهاية عصر الاكتشافات العلمية يأخذنا في رحلة واضحة الى مثل هذه التساؤلات الاساسية غير المنجزة بعد، وبالرغم من انه ليس هناك معرفة جديدة في هذا الكتاب، فان الافكار فيه معروضة بشكل سلس وواضح، وهو كتاب اقرب الى نقاش فلسفي منه الى كتاب تقني فلا وجود للمعادلات فيه، و كل مسالة فيه مقدمة بشكل سؤال قصير على جانب الصفحة، على سبيل المثال: "ما هو الزمن؟" مما يسهل على القارئ تتبع الفكرة الاساسية من النقاش.

بالإضافة الى ذلك يحاول الكاتب، وفي محاولة شجاعة، وصف نظرية الخيوط "string theory" التي تتمتع بتأييد واسع في المجتمع العلمي الان بالرغم من ان نتائجها ما زالت قليلة حتى الان. ربما بعض نتائج هذه النظرية ستمكننا من القول ان الفيزياء ما زالت قادرة على اختراق حدود المعرفة.

ربما كان من الافضل ان يخوض الكاتب بشكل اعمق في المسائل الفلسفية المرتبطة بفهم اشياء كطبيعة الزمن، والمادة، والوعي، والمبدأ الانثروبي (:anthropic principleعبارة عن أطروحة تقول بأن الكون حتمي حيث تكون معادلاته وقوانينه الطبيعية مناسبة لظهور أنواع حياة ذكية، حيث أنه لو كانت الجسيمات الأولية مثل الإلكترون و البروتون ليست بصفاتها الموجودة مثل مقدار الشحنة ونوعها وكتلة كل منهما  والقوانين التي تحكمها، لكان من غير الممكن نشأة الحياة على الأرض بما فيها نشأة الإنسان نفسه، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي بمقدوره وصف الكون ومراقبته وتحليله فيزيائياً.)

 

وفي نفس الوقت لا يناقش ستنارد قضايا مجتمعية يمكنها ان تؤثر او توقف التقدم في البحث الفيزيائي، على سبيل المثال هل حقا سيرغب المجتمع بتمويل مصادم هادرون كبير جديد، او مفاعلات اندماج عملاقة، او ارسال بشر في رحلات طويلة الى الفضاء؟! لقد اصبحت الفيزياء الاساسية وعلوم الفضاء منتشرة عالميا وهناك مئات المؤلفات والمؤلفين في العديد من البلدان، ولكن العلوم الكبيرة تكلف كثيرا أيضا، والمردود قد يكون فقط في المستقبل البعيد، هذا اذا كان هناك مردود اقتصادي من الاصل لمثل هذه الابحاث!

يتكون الكتاب من ثلاثة عشر فصلا موزعة على 237 صفحة، وهي:

العقل والوعي

خلق الكون

قوانين الطبيعة

المبدأ الأنثروبي (البشري)

حجم الكون

الحياة خارج الارض

طبيعة الفضاء

الفضاء وعلاقته بالزمن

طبيعة الزمن

فيزياء الطاقة العالية

عالم الكوانتم

الجاذبية الكوانتية ونظرية الخيوط

خاتمة وملاحظات

الخميس، 21 أغسطس 2014

الثقوب البيضاء..!



لعقود طويلة، كان علماء الفيزياء الكونية حائرون فيما اذا كانت الثقوب السوداء تدمر المعلومات التي تبتلعها ام لا، أي فيما اذا كانت المواد التي يبتلعها تختفي  بشكل نهائي الى الابد! لكن  هناك الان نموذج جديد يقول بأنه في نهاية حياة الثقوب السوداء فإنها تتحول الى "ثقوب بيضاء" أي انها تنفجر وتنفث كل المواد التي ابتلعتها منذ تكونها الى الفضاء.

وحسب النموذج الجديد، الذي طوره كل من كارلو روفيللي (Carlo Rovelli) وهال هاغارد (Hal Haggard) من جامعة ايكس مارسيليا (Aix-Marseille University) في فرنسا، فان التحول من الثقوب السوداء الى الثقوب البيضاء يبدأ مباشرة بعد بدئ تشكل الثقب الأسود، ويعتمد نموذجهم على نظرية تدعى "الجاذبية المية الحلقية" (loop quantum gravity) حيث تكمم الجاذبية والزمكان (زمان-مكان)، ويتم نسجها من حلقات منفردة صغيرة جدا لا يمكن تجزئتها الى حلقات اصغر ابدا.

وعندما ينهار النجم تحت وطأة جاذبيته (ويتحول الى ثقب اسود) فانه يحاط بحد يسمى "افق الحدث"، وهي نقطة اللا عودة، حيث لا شي يمكن ان يفلت من هناك، ويتابع النجم انكماشه، ولكنه يصل الى مرحلة لا يمكنه ان يتقلص اكثر  لان الحلقات لا يمكن ان تنضغط اكثر من ذلك.

وفي هذه النقطة، تقوم هذه الحلقات بالضغط الى الخارج ويسمى هذا الضغط "الارتداد الكوانتي/الكمي" حيث يقوم بتحويل الثقب الاسود الى ثقب أبيض، وحسب التقديرات التقريبية  التي قام بها الفريق، فان هذا التحول من ثقب اسود الى ثقب ابيض يأخذ جزء من الالف من الثانية فقط! وبالرغم من ان هذه التحول يكون لحظيا إلا ان الباحثون يقولون بان الثقوب السوداء تبقى ظاهرة لنا لملايين او مليارات السنين لان جاذبيتها تمغط وتمدد موجات الضوء.

واذا كان هذا هو الحال، فبدل ان يغلف الثقب الاسود بأفق حدث حقيقي خارجي، فان الثقب الاسود يحجب بواسطة "افق ظاهري" مؤقت. حيث ان افق الحدث الحقيقي قد يتعارض مع قوانين الفيزياء العروفة.

في بداية السبعينيات، قام عالم الفيزياء الشهير ستيفين هوكينج (Stephen Hawking) من جامعة كامبرج بحسابات تشير الى ان الثقب الاسود يجب ان يبث اشعاعات خارج افق الحدث الخاص به، حيث يفقد طاقته وينكمش تدريجيا الى ان يتلاشى نهائيا، لكن هذا يعني ان المعلومات المحملة في المادة والتي تسقط في الثقب الاسود تختفي للأبد، حيث انه ليس هناك هرب من القب الاسود في النظرية الكلاسيكية، لكن النظرية الكوانتية (quantum theory) الحديثة تسمح للطاقة والمعلومات من الهرب كما عبر عن ذلك هوكينج، أي ان هوكينج الان ينفي وجود افق الحدث للثقب الاسود كما كان الفيزيائيون يعتقدون لعشرات السنين.

الثلاثاء، 12 أغسطس 2014

ماذا يوجد في مراكز الثقوب السوداء؟


تنتج الثقوب السوداء من انهيار النجوم العملاقة، فهي عبارة عن "آبار" تخترق نسيج الكون في الزمكان (space-time) وهي عميقة لدرجة ان لا شيء، حتى الضوء، يمكن ان يفلت منها. فالثقب الاسود عبارة عن نجم كبير ميت، انهار بسبب نفاذ الطاقة/الوقود الذي يغذي التفاعلات النووية فيه. والذي يحدث هو ان الذرة تنهار على نفسها فتلغي كل الفراغ فيها لتصبح مادة خالصة، ولأن %99.9999… من الذرة عبارة عن فراغ يصبح الحجم صغير جدا مع الحفاظ على نفس الكتلة، يمكنك تخيل طابة تنس ولكن وزنها كوزن الكرة الأرضية!)

أما مركز الثقب الاسود فيطلق عليه الفيزيائيون "قلب الحدث" (singularity) وهي نقطة بحيّز صغير بشكل لا نهائي تتركز فيها كمية هائلة جدا من الطاقة. ونظريا، تصبح هذه النقطة شيئا كبيرا بشكل شبه لانهائي. وتقنيا، هذا "الشيء" هو عبارة عن انحناء الفضاء، او اشتداد الجاذبية الذي يلاحظه العلماء عند وجود كتل عملاقة جدا كالكواكب والنجوم. (يقسم العلماء الثقب الاسود الى جزئين: افق الحدث (event horizon) وقلب الحدث، حيث ان اي شيء يمر في افق الحدث يتم سحبه الى قلب الحدث حيث يسحق هناك تماما)


وتماما كما تنغمس صفيحة مشدودة من المطاط عند وضع كرة حديدة عليها، فان الاجرام العملاقة تسبب انحناء في الزمكان حولها. وكلما كان حجم الجرم اكبر كان الانحناء اكثر حدة. ( أول من صاغ هذه النظرية نظريا هو أينشتاين، وحسب النظرية النسبية العامة فإن الجاذبية تقوس الفضاء الذي يسير فيه الضوء بشكل مستقيم، مما يعني أن الضوء يتأثر وينحرف تحت تأثير الجاذبية، أما الثقب الأسود فإنه يقوس الفضاء إلى حد انه يمتص الضوء الذي يمر بجانبه بفعل جاذبيته، ولا يمكن لأي موجة أو جسيم الافلات من منطقة تأثيره فيبدو أسود، لذلك تبدو الثقوب السوداء عبارة عن حفرة مظلمة في منطقة ما من المكان والزمان وهي ذو كثافة عظيمة وتأثير جذبي هائل)

ولا يوجد مكان اكثر تأثيرا لعمل انحناء اكثر من الثقوب السوداء، حيث ان مراكز الثقوب السوداء تشكل منحنى انحنائي لانهائي. شيء يشبه ثقب|هاوية بلا قاع في صفيحة مطاط، بحيث تصبح القوة اكبر واكبر كلما غاصت الاجسام في عمق الثقب|الهاوية.

فالجزيئات والمواد تنضغط حول المركز، ولأن المادة تنهار داخل الثقب الأسود، تصبح كثافتها كبيرة بشكل لانهائي لأنها يجب ان تتموضع داخل نقطة حجمها صغير جدا لدرجة انه ليس لها ابعاد.


ولكن بعض العلماء مازالوا يتجادلون حول ما اذا كانت المعادلات النظرية التي تصف الثقوب السوداء صحيحة ام لا، بمعنى فيما اذا كانت موجودة في الواقع ام لا، وليس فقط بشكل نظري.
لا احد يمكنه ان يتأكد فيما اذا كانت نقطة قلب الحدث لا تعبر عن حقيقة واقعية فعلا، بالرغم من ان معظم العلماء سيقولون بان نقطة قلب الحدث كما يعبر عنها من خلال المعادلات غير موجودة فعليا. ولكن لو ان نقطة التفرد موجودة فعليا، فان كثافة      الطاقة  فيها ستكون كبيرة بشكل لا نهائي، وستكون هي نفسها مركز الثقب الاسود.

في جميع الأحوال، لا احد يمكنه ان اكد او ينفي ذلك، بسبب عدم وجود نظرية كوانتية للجاذبية مكتملة حتى الآن، وفي نفس الوقت يستحيل تقنيا ملاحظة او مشاهدة داخل الثقب الاسود.

 

الجمعة، 8 أغسطس 2014

لماذا نحب رائحة أول المطر؟

سمعت مرة احد الشعراء يقول (اعتقد انه الشاعر اللبناني عباس بيضون) : "ان  كل علماء الارض لن يستطيعوا تفسير رائحة اول المطر"، لكن يبدو ان بيضون كان مخطئا!

 
 
في الحقيقة، يعتقد بعض العلماء ان الناس قد ورثوا حبهم لرائحة المطر عن اسلافهم الذين كانوا يعتمدون على مياه الامطار من اجل بقائهم. لكن هل يجعل هذا رائحة المطر جميلة؟!

في الحقيقة ان هناك العديد من الروائح الجميلة التي يستمتع فيها الناس عندما تمطر الدنيا ولكن سببها تفاعلات كيماوية:
احد هذه الروائح يعرف ب"بِترِكور"  (petrichor)  وهي الرائحة التي تنتشر عندما يهبط المطر على ارض جافة بعد انقطاع للمطر زمن طويل، مثل اول امطار فصل الشتاء التي تبدا عادة في الخريف. وتعود تسمية بتركور الى العام 1964 لعالمين استراليين درسا رائحة الطقس الرطب، حيث ان التسمية مشتقة من زوج من التفاعلات الكيميائية.
بعض النباتات تفرز زيوت خلال الفترات الجافة، وعندما تمطر تنتشر هذه الزيوت في الهواء، والتفاعل الثاني الذي بنتج البتركور يحدث من الكيماويات الناتجة عن البكتيريا التي تعيش في التربة، والتي تعرف باسم آكتنومايسيتس (actinomycetes) (او الفطريات الشعاعية) والتي تنتشر في الجو بعد المطر. وهذه المركبات العطرية (aromatic compounds) تجتمع لتخلق الرائحة الزكية المبهجة للبتركور عندما ترتطم حبات المطر بالأرض.
وهناك رائحة زكية اخرى مرتبطة بالمطر وهي الأوزون، فخلال العواصف الرعدية يمكن للبرق ان يفكك جزيئات الاوكسجين والنيتروجين الموجودة في الجو، حيث يمكن لهذه الجزيئات ان تعيد الالتحام لتشكل اوكسيد النيتريك (nitric oxide)، حيث تتفاعل هذه المادة مع مواد كيماوية اخرى في الجو لتشكل غاز الأوزون، والذي يمتلك رائحة قوية  جدا تذكرنا نوعا ما برائحة الكلور.
 
وعندما يقول احدهم انه يشتم رائحة مطر في الجو قبل ان تمطر، بمعنى ان المطر قادم، فهذا
 قد يكون بسبب ان الرياح القادمة من عاصفة ماطرة على مسافة قريبة قد حملت معها الاوزون اليه.
 

الجمعة، 1 أغسطس 2014

ما وراء الكون المنظور (Beyond the Observable Universe)


ماذا يوجد خلف الكون؟!

(اذا ركبت سيارتك متجها نحو اقرب نجم الى الأرض (Proxima Centauri) 4 سنوات ضوئية تقريبا، وكنت تسير بسرعة 100كم/ساعة فانك ستحتاج الى 150 مليون سنة لكي تصل، تقريبا!)

(يروى ان رجلا سأل ابن عباس عن تفسير اية " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن"  الطلاق، 12)، فأجاب ابن عباس قائلا: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر؟! ويروى انه قال في تفسيرها: سبع أرضين ، في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم  كإبراهيم، وعيسى كعيسى)
 
 
ان كل ما نعرفه حاليا عن الكون، عمره وحجمه وعدد المجرات فيه، وكل ما جمعه لنا "هابل" هو ما يعرف بالكون المنظور (observable universe)، تقديرات من 100-200 مليار مجرة، وكل مجرة تحوي على مئات مليارات النجوم...! حيث ان سرعة الضوء هي التي تحدد لنا ما نعرفه، حيث اننا لا يمكن ان نعرف عن وجود أي جسم في الكون إلا عندما يصلنا الضوء المنبعث منه، ولا يمكننا ان نرى ابعد من المسافة القصوى التي قطعها الضوء منذ بزوغ الكون (الانفجار الكبير)، وبما  ان الكون المنظور نفسه يتوسع (حسب بعض النظريات الحديثة قد يكون الكون يتوسع اسرع من سرعة الضوء، جائزة نوبل للفيزياء 2011) والمجرات تتباعد بسرعة هائلة، فلا يمكن أي شي دقيق عن حجم الكون، ولا ماذا يوجد بعده.
على أي حال، وبعيدا عن التأملات الذاتية، ماذ يقول العلم حول ماهية الوجود خلف حدود الكون المنظور، وان كان العلم في هذا المجال تحديدا لا يخلو من الكثير من الخيال؟!
خمس نظريات حول ماذا يوجد خلف الكون:
 
1-      ما وراء "كون هابل" (Beyond the Hubble Volume):
يشار احيانا الى الكون المنظور ب"كون هابل" نسبة الى تيليسكوب هابل الذي بفضله تم اكتشاف ابعد حدود في الكون، وتقول النظرية ببساطة بان الكون لا نهائي، ويحوي نفس العناصر (مجرات، طاقة، ثقوب سوداء...الخ) التي يحويها الكون المنظور وموزعة بطريقة مماثلة، لكن تضمينات هذه النظرية تحتوي على شيء عجيب (نظرية الاحتمالات ف المالانهاية)، فالاحتمالات في المالانهاية تعني، وفي هذه الحالة، انه بكل تاكيد اهناك كوكب في مكان ما في الكون، هو نسخة طبق الاصل عن الأرض بل ان هناك شخص نسخة طبق الاصل عن كل انسان يعيش على الأرض ونفس التاريخ ونفس المدن، ونفس اللغة، والأسماء، و.....
 
2-      التدفق المعتم (dark Flow):
في عام 2008 اكتشف علماء الفضاء شيء غريب ومحير، وهو ان تجمعات المجرات تسير بسرعة ضخمة جدا (اكثر من 2 مليون ميل في الساعة، وتسير بنفس الاتجاه، وفي عام 2010 تم تاكيد هذه الظاهرة، وتشكل هذه الظاهرة تحديا لكل التوقعات حول توزيع الكتلة داخل الكون المنظور بعد الانفجار الكبير، و احد التفسيرات لهذه الظاهرة هو ان هناك تشكلات عملاقة خارج الكون المنظور تمارس تاثيراتها الجاذبية على مجرات الكون المنظور، وهذا قد يعني ان هناك لانهاية خارج الكون المنظور قد تحوي على مادة وطاقة لا يمكن للعقل تصورها وهي موزة بشكل غير منتظم.

 

3-      الفقاعات اللانهائية (Infinite Bubbles):
مع ان الحديث عن اكوان اخرى غير الكون الذي نعرفه قد يكون خادعا، فهو نفس الكون او كون واحد تشكل منذ الانفجار الكبير، لكننا ببساطة غير قادرين على رؤية ماذا بعد اللكون المنظور، على أي حال تطرح هذه النظرية ان الانفجار الكبير نتج عنه فقاعات، وكل فقاعة هي كون بحد ذاته ولها قوانينها الفيزيائية الخاصة، وحسب هذا السيناريو، فان الكون لا نهائي، وكل فقاعة هي بحد ذاتها لا نهائية (حسب الرياضايات يمكن حشو عدد لانهائي من اللانهايات داخل لانهاية واحدة! وهنا يكون الكون عبارة عن اكوان لانهائية داخل كون لا نهائي!
4-      تفريخ الثقوب السوداء (Black Hole Spawning):
اقترح هذه النظرية الفيزيائي لي سمولين، وتعرف بنظرية "الكون المتكاثر"، وهو يقترح ان كل ثقب اسود يولد كون جديد، بخصائص تختلف قليلا عن الكون الاساس الذي تشكل منه، بعملية فيها نوع من "الانتخاب الطبيعي" حيث ان الاكوان التي لم تتشكل فيها ثقوب سوداء تموت في النهاية. (هذه النظرية تم استبعادها )
 

5-      الاكوان المتوازية ( Parallel Universes):
ربما تكون هذه اكثر النظريات جدية في الدراسة، وحقيقة يصعب جدا البحث في الاسس الفيزيائية والرياضية التي تعتمد عليها هذه النظرية، حيث تتطلب مراجعة شاملة لحقل فيزياء الكوانتم، والنظريات المتعددة لنظرية الخيوط "strings theory" ول"superstrings theory" وال"supergravity"، وال"M theory"، والبعد العاشر والحادي عشر للكون، ونظرية الاغشية "membranes"،...
فمن النتائج المذهلة لهذا الحقل هو امكانية تواجد المادة (ما دون الذرية) في حالتين مختلفتين في نفس اللحظة، بل امكانية تواجد نفس الجسيم في مكانين مختلفين في نفس اللحظة!
ولكن مختصر افتراضات هذا المجال حول الاكوان المتوازية هو ان المادة في الكون تتشكل اصلا من اغشية متذبذبة لا سمك لها ولها طولا لانهائي (وتماما كآلات الموسيقية الوترية حيث كل ذبذبة مختلفة تعطي نوته موسيقية مختلفة). حيث ان ذبذبة هذه الاغشية في "البعد الحادي عشر" تشكل كل الاكوان الممكنة، وعندما ترتطم هذه الذبذبات بعضا ببعض تشكل كونا جديدا، احد مؤشرات على صحة هذه النظرية ان قوى الجاذبية في الكون المنظور ضعيفة جدا مقارنة مع القوى الاخرى في الكون، وهذا يعني ان الجاذبية في كوننا متسربة الينا من اكوان اخرى! وقد يكون عدد الاكوان الموازية لا نهائية حسب هذه النظرية، وكذلك امكانية وجود نسخة عن كوننا، ونسخة عن أرضنا ونسخة عن تاريخنا، تاريخ في كون اخر حدثت فيه الحرب العالمية الثانية لكن انتصر فيها الالمان بدل الحلفاء....
 
 
 

الأربعاء، 30 يوليو 2014

الطائرات بدون طيار المستقبلية تحاكي الطيور والخفافيش


 

من الممكن ان تكون حركات وطبيعة طيران الطيور والخفافيش والحشرات  مصدر الهام للتصاميم الجديدة للروبوتات الطائرة، هذا ما يقوله العلماء الذين يستخدمون الطبيعة كمرشد لتطوير تكنولوجيا ابتكاريه للطائرات بدون طيار.

وكشفت دراسة نشرت في مجلة " the journal Bioinspiration & Biomimetics" ان هناك 14 فريق بحثي يجرون بحوثهم الان حول التحكم في الطيران مستلهمين افكارهم من المخلوقات الطائرة حيث انهم يستعيرون افكارهم من الطبيعة لتحسين اداء الطائرات بدون طيار.

 
وقد صرح مسئولون من معهد الفيزياء في المملكة المتحدة (IOP): "نحن نأمل بإيجاد حلول يمكنها ان تؤدي الى استخدام الطائرات بدون طيار في بيئات حضرية معقدة، بحيث يمكنها تجنب العوائق او التقاط وتوزيع أشياء، بالإضافة الى تحسين عملية الاقلاع والهبوط على سطوح غير منتظمة. حيث سيمكن ذلك هذه التكنولوجيا من استخدامات  متعددة الاغراض، كالمراقبة والاشراف العسكري، عمليات البحث والانقاذ، الكاميرات الطائرة او النقل البريدي. ولذلك تحتاج هذه الطائرات الى تحكم طيران عال االدقة.

وكجزء من هذه ألمبادرة، قام فريق بحث من هنغاريا باستخدام خوارزمية (Algorithm) لطيران تسع طائرات رباعية المروحة (quadcopter) لتتبع سيارة متحركة. قامت مجموعة بحثية اخرى من جامعة هارفارد بتصميم طائرة بدون طيار صغيرة جدا (بحجم قطعة نقود معدنية) قادرة على ان تحلق وتحوم في الجو.

لكن ولان عاصفة مفاجئة من الرياح يمكنها ان تقذف بهذه الطائرة الصغيرة عن مسارها، فقد اخذ الباحثون من جامعات نورث كارولينا وجامعة كاليفورنيا وجامعة جون هوبكنز يدرسون كيف يمكن للفراشة الصقرية ان تتعامل مع الظروف العاصفة وكيف يمكنها ان تستعيد السيطرة  حتى بعد عاصفة قوية وكيفية لاستفادة من حركة الفراشة في تطوير هذه الطائرات.

وقد استلهم علماء اخرون من جامعة شيربروك في كندا وجامعة ستانفورد بعض الافكار من السناجيب الطائرة، والافاعي والاسماك الطائرة لتصميم "طائرة قافزة" (Jumpglider)، حيث تحاكي هذه الطائرة اليات الديناميكا الهوائية (aerodynamic)  و مدى القفز التي تستخدمها هذه المخلوقات لتجنب المفترسات. شكل هذه الطائرة يشبه الطائرة العادية لكنها مزودة بأقدام مكيكانيكية زنبركية لدفع الطائرة في الهواء. وقال الباحثون ان هذه الطائرة القفازة يمكن ان تستخدم في عمليات البحث والإنقاذ لأنها قادرة على المناورة في مناطق وعرة وسط كثير من العقبات.
 
         صوة الطائرة القافزة المقزمة ذات الاقدام الزمبركية (jumpglider)وكيف تحط على زهرة-فريق جامعة هارفارد


 
                     صورة تبين حركة الفراشة الصقرية بدون رياح (الشمال) وحركتها حين التعرض لعاصفة (يمين).



                 دراسة تصاميم اجنحة الخفافيش للاستفادة منها في تصاميم الطائرات بدون طيار-فريق جامعة براون
 
                                                   الطائرة رباعية المراوح (quadcopter)